سعيد أيوب
40
معالم الفتن
وتباغضهم وتدابرهم . فحمل بعضهم بغض البعض الآخر ، على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقا ( 1 ) . وقيل : اختلاف أهل الكتاب في الدين مع نزول الكتاب الإلهي عليهم ، لم يكن عن جهل منهم بحقيقة الأمر ، بل كانوا عالمين بذلك . وإنما حملهم على ذلك بغيهم وظلمهم من غير عذر ، وذلك كفر منهم بآيات الله المبينة لهم حق الأمر وحقيقته . لا بالله ، فإنهم يعترفون به ، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ، يحاسبه سريعا في دنياه وآخرته أما في الدنيا فبالخزي وسلب سعادة الحياة عنه . وأما في الآخرة فبأليم عذاب النار ، والدليل على عموم سرعة الحساب للدنيا والآخرة قوله تعالى بعد آيتين : ( أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ) ( 2 ) . وإذا كان البغي قد أثمر شجرة الاختلاف . فإنه أثمر أيضا شجرة الافتراق ، قال تعالى : ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) ( 3 ) . قال المفسرون : أي وما تفرق الناس الذين شرعت لهم الشريعة باختلافهم وتركهم الاتفاق ، إلا حال كون تفرقهم آخذا أو ناشئا من بعد ما جاءهم العلم بما هو الحق ظلما أو حسدا تداولوه بينهم ( 4 ) . وقال ابن كثير : أي إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم وقيام الحجة عليهم . وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد ( 5 ) . إن الشيطان ينشط في تربة العلم ، حيث القافلة الأولى . فإن استطاع أن يدق له وتدا أو ينصب له خيمة ، ضمن البغي والاختلاف والفرقة . ومن هذه الأشجار سيأكل كل قادم ملجم العقل من بني الإنسان تحت لافتات عدة تزينها سنة الآباء الأوائل ، التي يدافعون عنها حتى ولو خرجت منها رائحة الفواحش .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 354 \ 1 . ( 2 ) تفسير الميزان : 121 \ 3 . ( 3 ) سورة الشورى : الآية 14 . ( 4 ) الميزان : 31 \ 18 . ( 5 ) تفسير ابن كثير : 109 \ 4 .